صديق الحسيني القنوجي البخاري
112
فتح البيان في مقاصد القرآن
والفاعل هو اللّه سبحانه وقرىء على البناء للمفعول أي يخرج له الطائر كتابا والمعنى مكتوبا فيه أعماله لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها . قال الحسن : بسطت لك صحيفة ووكل بك ملكان فهما عن يمينك وعن شمالك فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك ، وأما الذي عن يسارك فيحفظ عليك سيئاتك حتى إذا مت طويت صحيفتك وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة . وإنما قال سبحانه يَلْقاهُ مَنْشُوراً تعجيلا للبشرى بالحسنة والتوبيخ على السيئة قال ابن عباس هو عمله الذي أحصي عليه فأخرج له يوم القيامة ما كتب له من العمل فقرأه منشورا ، والمعنى يلقاه الإنسان أو يلقى الإنسان . اقْرَأْ كِتابَكَ أي يقال له أو قائلين له اقرأ قيل يقرأ في ذلك اليوم الكتاب من كان قارئا ومن لم يكن قارئا قاله قتادة كَفى بِنَفْسِكَ أي بشخصك الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً أي حاسبا أو كافيا والحسيب بمعنى المحاسب كالشريك والجليس والخليط ، قال الحسن لقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك . مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ بيّن سبحانه أن ثواب العمل الصالح وعقاب ضده يختصان بفاعلهما لا يتعديان منه إلى غيره فمن اهتدى بفعل ما أمره اللّه به وترك ما نهاه اللّه عنه وعمل بما في تضاعيفه من الأحكام فإنما تعود منفعة ذلك إلى نفسه لا تتخطاه إلى غيره ممن لم يهتد . وَمَنْ ضَلَّ عن طريق الحق فلم يفعل ما أمر به ولم يترك ما نهي عنه فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها أي فإن وبال ضلاله واقع على نفسه لا يجاوزها فكل أحد محاسب عن نفسه مجزيّ بطاعته معاقب بمعصيته ، وهذا حاصل ما تقدم من بيان كون القرآن هاديا لأقوم الطريق ولزوم الأعمال لصاحبها . ثم أكدّ هذا الكلام بأبلغ تأكيد فقال وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى الوزر الإثم يقال وزر يزر وزرا ووزرة أي إثما والجمع أوزار والوزر الثقل ومنه يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ [ الأنعام : 31 ] أي أثقال ذنوبهم ومعنى الآية لا تحمل نفس حاملة للوزر وزر نفس أخرى حتى تخلص الأخرى عن وزرها وتؤخذ به الأولى وقد تقدم مثل هذا في الأنعام . قال الزجاج في تفسير هذه الآية : إن الإثم والمذنب لا يؤاخذ بذنب غيره وهذا تحقيق معنى قوله وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ، وأما ما يدل عليه قوله تعالى مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها [ النساء : 85 ] وقوله تعالى لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ النحل : 25 ] من حمل الغير وزر الغير وانتفاعه بحسنته